وهبة الزحيلي
252
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ أنث بَصِيرَةٌ إما لأن الهاء فيه للمبالغة ، كعلّامة ونسّابة وراوية ، أو لحمل الإنسان على النفس ، فلذلك أنث بَصِيرَةٌ أو لحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه ، أي عين بصيرة . البلاغة : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً استفهام إنكاري للتوبيخ والتقريع . يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ الاستفهام بغرض استبعاد الأمر وإنكاره . فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ ، وَخَسَفَ الْقَمَرُ ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ، يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ توافق الفواصل المسمى بالسجع المرصّع . قَدَّمَ وَأَخَّرَ بينهما طباق . المفردات اللغوية : لا أُقْسِمُ أي أقسم ، ولا : زائدة في الموضعين ، وتزيد العرب كلمة ( لا ) للتأكيد ، وذلك أن المقسم عليه إذا كان منتفيا ، جاز الإتيان ب ( لا ) قبل القسم ، لتأكيد النفي ، والمقسم عليه هنا : هو إثبات المعاد ، والرد على الجهلة المعاندين القائلين بعدم بعث الأجساد . ويرى قوم أن لا ردّ لكلام سابق متقدم وجواب له ، فالعرب لما أنكروا البعث ، قيل لهم : ليس الأمر كما زعمتم ، وأقسم أن البعث حق لا ريب فيه . وقرئ لأقسم بغير ألف بعد اللام ، وجواب القسم محذوف ، أي لتبعثن ، دل عليه ما بعده : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ . بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ هي التي تلوم نفسها ، وإن اجتهدت في الطاعة والإحسان ، والمراد بهذا القسم تعظيم يوم القيامة ، والتنويه بالنفس الطامحة إلى الدرجة الأرقى . أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ المراد به الجنس ، وإسناد الفعل إليهم ؛ لأن بعضهم يحسب ، أو المراد من كان سبب النزول ، وهو عدي بن أبي ربيعة ، سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن أمر القيامة ، فأخبره به ، فقال : لو عاينت ذلك اليوم لم أصدّقك ، أو يجمع اللّه هذه العظام ؟ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ للبعث والإحياء بعد تفرقها . بَلى نجمعها . قادِرِينَ مع جمعها . عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ أصابعه ، أي نعيد عظامها كما كانت ، ونضم بعضها إلى بعض كما هي ، مع صغرها ولطافتها ، فكيف بكبار العظام ؟ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ ليدوم على فجوره في مستقبل الزمان . أَيَّانَ متى ، وهو سؤال استهزاء وتكذيب . بَرِقَ الْبَصَرُ دهش وتحير لما رأى ما كان يكذبه ، وقرئ برق بفتح الراء . وَخَسَفَ الْقَمَرُ أظلم وذهب ضوءه . وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ذهب ضوءهما في يوم القيامة ، ولا يتنافى ذلك مع الخسوف ، فإنه مستعار للمحاق .